نبيلة جعافرة تكتب : رمضان-بينَ الخيبةِ والأمل وهدير الذكرى.

17/05/2019 3:07:33 AM فن وثقافة
نبيلة  جعافرة تكتب : رمضان-بينَ الخيبةِ والأمل وهدير الذكرى.

لعلّ البعضَ من الصّغار يتقنُ إخفاءَ شعوره "بالخيانة"

بقلم : الكاتبة نبيلة  جعافرة

حضَرَ الشّهرُ الكريم...جاء رمضان....

حضرَ..

بأفضالِهِ وخيراته

بهلالِهِ وزينته

بعباراتِ التهاني والترحيب

مائدة الافطار لم تزل تزيّنها لهفة الصّغار في سباقِِ لنيلِ اللّقمةِ الأولى على عجل

 تتساوى دقائِقُ الانتظار الأخيرةِ على مائدةِ الإفطارِ مع يومِِ كاملِِ من الصّيامِ أو لربّما أكثر

فيتساءلُ الصّغار ألف مرّةِِ في الدقيقة "كم بقيَ للآذان"

لكن...سرعان ما يشعرُ الصغيرُ بالفخرِ حينَ تخبره في حضورِ الجميعِ أنّه "البطل" الذي أتمَّ صيام يومه بالكامل ...

لعلّ البعضَ من الصّغار يتقنُ إخفاءَ شعوره "بالخيانة" لانه قد تحايل بذكاءِ طفلِِ ليرتشف بعض قطراتِ ماء ولكنّه سيخبركَ إن اكتشفتَ أمره بأنه قد نسيَ لتعلمَ أنّ ما فعلتَه أنت في صِغركَ  يفعله صغارك الآن بك.

 

جهازُ قياسِ الصّيامِ عند الصغار ما زالَ ذاته "الإصبعُ واللّسان"

وذاتهُ أيضاً للكبار"الغضبُ والهذيان"

 

 الكبار يستجمعون كل ما في القلبِ من دعواتِِ لعلّ واحدة منها يحالفها الحظّ بالاجابة فللصّائم دعوةٌ عند الافطار لا ترد...

(كم من الدّعوات بحوزتنا لا تتسع لها موائد إفطارنا)

كأس من القهوة لم يتسنّى لامرأة مسكينةِِ  تحضيره

(لانشغالها بتحضير كلِّ شيِِ في آنِِ واحد) لرجلِِ يتنظر بشوقِ لقاء محبوبتيه"قهوته وسيجارته"

كفيلةٌ بإحداثِ ثورةِ غضبِِ لا تنتهي

بالمقابل...

كأس قد  أُذّنَ لاحتسائها وسيجارة قد أُشعلت للتّو كفيلتان بإطفاء نار انتظارِ "عشّاقِ قهوةِِ وسجائر" لا يأبهونَ لشيءِِ سواهُما وكفيلتانِ بمائدةِ فرحِِ لا تنتهي

صوتُ أبي جرير أستبدل بالكثير من الأصوات التي احضرت معها تكبيرة الافطار وطقوسه وغيّبت عنّا ذكريات الطفولة

صوت المدفع لم يزل يدوّي معلِناً أن التّاربخ الإسلاميّ لن يغيّبه خذلانٌ ولن تطمِسه خيبات

وإن باتت العروبة في غفلةِِ وسبات

أحبالُ الزينة تتدلّى وكأنها عناقيدُ فرح كلّما تشكّلت بأشكالِِ أجملَ وعلى امتدادِِ أوسع كلّما أغدقت على الصغارِ فرحاً وسعادةً أكبر وأكثر

مائدة السّحور فيها كل شيء إلّا "قمر الدين"الذي كانت تحضّرهُ يدا أمي بطعمِ الحب والحنان

ليشكّل قمراً مكتمل الهيئة في صحنِِ دائري لم يخترق اكتماله سوى طعمُ الغياب

 "قمرُ الدّينِ" لا زال موجوداً لكنه قد بات بلا طعم

لم أعد أحبّه ولم أعد أشتهيه.

بعض الفتيةِ يقرعون الطّبولُ مُنادين"يا نايم وحّد الدّايم" قرعُ طبولهم وضحِكاتهم المدوّيةِ  قد أزعج جارنا العجوز الذي لم يكفّ عن الصّياح بضجر"صحينا ياعمي صحينا" ليهرب الفتية ثم يعاودوا الكرّة في كل ليلة

المسحّراتي "أبا إسحق"قد غيّبه الموت عن ليلِ بلدتي

الهادئ فما عاد ذاك الصوت الشجيُّ يتسلل إلى الاذانِ برفقِِ فيوقظها بشغف.

أحبّة قد تركوا أماكِنهم فارغة لم يملأها أحد

بعضهم قد غيّبه الموت

 غابوا عن موائدنا وعيوننا وأيامنا وشهورنا

 لكنّهم حاضرونَ في قلوبنا وأرواحنا لم يغيّبهم رحيل

نفتقد دعواتهم ونشتاق لكلّ تفاصيلهم لكنّنا لا نملك سوى الدعاء لهم ولا يواسينا سوى أمل اللقاءِ بهم  في الجنّة

وآخرون قد غيّبتهم السجون والزنازين والمعتقلات يشتاقهم ذويهم

فاللهم فرجاً قريباً يطفئ نار الحنين وألم الغياب

امهاتّ وأخواتٌ وبنات قد بكت السماءٌ حزناً حين اخترقتها دعواتهُنّ ..لم يرغبن ببعضِِ من طعام....هي الرغبة  في صلةِ رحمِ قد آذى انقطاعها أرواحهن دون رحمة.

قلوبٌ تبكي بصمت وأرواحٌ أعياها الأنين

إن لم نكن لها مُعينينَ جابرين

فلنمتنع عن إيذائها

فالصيام ليس امتناعاً عن طعامِِ وشرابِِ فحسب.

القدسُ بكاملِ حلّتها لا تأبهُ لوجع

الفجر فيها يتسلل كشلّالِِ نورِِ يتوهّج في الرّوح

للظّهرِ أجيجٌ حارق لا يُخفِفُ لهيبه سوى مرشات ماءِِ يطلقها المقدسيّون على رؤوس حجيجها الغارقين في أسواقها القديمة حمداً وتسبيحاً لإتمامِ صلاةِِ في أقصاها بعد طول غياب

العصرُ يبدو كلاجئ جاء سعياً يحملُ شوقَ آلافِ السنينِ للقاءِ وطن

وعند المغيبِ التقاءُ الأهلّةِ بشمسِ الغروبُ يُطفي على وجنتيها الإحمرارُ خجلاً وحياء

فيأتيها النداءُ أن قد حانَ اللّقاءُ حانَ اللّقاء

انه الآذان

للعِشاءِ نكهةٌ أخرى برفقةِ التّراويحِ

عاشقتانِ لا تلتقيانِ إلّا مرةً في العامِ فيالَ حلاوةَ اللّقاء

نهارُ رمضان ولياليه في القدسِ تتوجها ليلة القدرِ ولا أجمل من القدسِ في ليلة القدر بعبقِِ ونسائمَ تنتشي لها الرّوح

قطائف الأرز وعصائر الخروب والتمر الهنديّ والعرقسوس

المخلّلات والبهارات والخبز الّذي أُبيح له التّشكل كيفما شاء

 الباعة المتجولون يملؤون المكان ثباتاً

كل الاصنافِ قد تزاحمت على "البسطاتِ" تمتلأ فرحاً

القدسُ بكاملِ حلّتها وكاملِ زينتها عروسٌ لا تشتاقُ أحداً ..تشتاقُ نصراً وفكّ قيد

يأتيها العشّاقُ أفواجاً أفواج

فمن لم يستطع إليها سبيلاً فقد نالَ الأجرَ مرّتان

أجر عاشقِِ أعياه العشق وأجر صابرِِ أعياهُ الشّوقُ والإنتظار

ها قد حضرَ رمضان

بكلّ تفاصيله

ليلثمَ جراح القدسِ بأفواجِ عشّاقِ فجرهِ وتراويحهِ

فيُنشد تراتيل العزّةِ لأقصاها ومسراها

 يمرّ قبلها بغزّة

ليدعوَ لها بالثّباتِ والنّصر

مُتوضّأً بدمِ صِبا

فلا ماءَ وجهِِ للعروبة

صحراءُ هي

بلا نخوةِِ ولا كرامة.

ها قد حضرَ رمضانُ

برغمِ الفقدِ والخيبةِ والخذلان

حاملاً معه الدعاء بالفرج والكثير من الأمل

وشلالٌ من هدير الذّكريات.

كلّ عامِِ وأنتم بعزّةِِ وكرامة

تقبلّ الله طاعتكم...ورمضانكم كريم.

تعليقات

استطلاع رأي

توقع الفائز بلقب كأس الأمم الإفريقية 2019

  منتخب مصر  60 %
  منتخب الكاميرون  0 %
  منتخب تونس  0 %
  منتخب المغرب  0 %
  منتخب السنغال  40 %

نتائج التصويت

اقرأ لـ

 
© حقوق النشر محفوظة لـبوابة الغد
Counter for tumblr