الدكتور عادل عامر يكتب : المال السياسي في الحياة السياسية

محافظات
الدكتور عادل عامر يكتب : المال السياسي في الحياة السياسية


بقلم الدكتور عادل عامر

في الحياة العامة عادة ما يقال المال قوة، حتى في الدين جاء ذكر المال. المال عصب الحياة. الكل يلهث وراء المال، ويقال أيضاً المال يشتري كل شيء. عبارات كثيره تلحق بالمال دلالة على قوته في تحقيق المطالب والرغبات. هذه المقولة لها أوجه كثيرة، وتوظفها كل النظم السياسية، الديمقراطية والديكتاتورية الشمولية، وحتى الجماعات والحركات توظف المال في شراء حاجة الفقراء للمال.

ويقال في السياسة الأمريكية عادة «المال لبن السياسة»، وتوفر البيئة السياسية الأمريكية بيئة صالحة لتأثير المال، وذلك إشارة لما يلعبه المال في تحريك السياسة على الرغم من ديمقراطية النظام وتقنين الاستخدام السياسى للمال. إلاّ أن النظام السياسي الأمريكي نظام مفتوح، بمعنى كل شيء بالانتخابات، والانتخابات تحتاج لنفقات مالية تتوفر لدى اللوبيات ورجال المال والشركات والأغنياء.

هذه هي حقيقة النظام السياسي الأمريكي الذي يقوم على المال. ولا يقتصر تأثير المال على النظام السياسي الأمريكي فحسب؛ بل على كل النظم السياسية الغربية؛ حيث يلعب المال دوراً محورياً في التأثير على بؤر صنع القرار السياسي بما يخدم أصحاب المال، وذلك في صورة قوانين معينة، أو فرض ضرائب أو تخفيضها، أو فرض رسوم جمركية. وبمقابل هذه النظم السياسية الديمقراطية، قد يكون للمال تأثير أكبر في النظم الشمولية والديكتاتورية، ففي هذه النظم فإن الدول هي التي تحتكر المال، ويكون الاقتصاد تابعاً للسياسة، وتحتكر الدولة كل مصادر الثروة والمشاريع الإنتاجية، وتتحكم في مصادر المال، فالدولة هي من توظف، وتمنح الدعم المالي.
من هنا، فإن المال يلعب دوراً كسلاح لضمان تأييد النظام الحاكم، وحتى هناك إمكانية لشراء المعارضة السياسية. ويلتقي المال والسياسة عند دائرة مشتركة، فالسياسة تُعرف بأنها ممارسة القوة للتأثير على سلوك الآخرين لتتوافق تصرفاتهم ومواقفهم مع من يمارس القوة أي السياسة، والمال عنصر القوة الأهم، بل إن المال يدخل في كل مكونات القوة الشاملة من صلبة وناعمة، فلا يمكن توفير النفقات العسكرية من دون المال الضخم، ولا يمكن القيام بالمشاريع الاقتصادية من دون المال. ومن هنا المال هو عصب السياسة، وهما وجهان لعملة واحدة. ونظراً لأهمية المال ودوره في السياسة؛ فإنه يعتبر من أهم أدوات السياسة الخارجية التي توظفها الدول الغنية على الدول الفقيرة، وتربط بين دعمها المالي ومنحها المساعدات والمنح المالية وبين الموقف السياسي المطلوب منها أن تتبنّاه.

وقد تذهب مثل هذه الدول كالولايات المتحدة لتهديد المنظمات الدولية بسحب دعمها لها. وتوظيف المال في السياسة الأمريكية واضح في علاقاتها بالسلطة الفلسطينية وربط المساعدات بالموافقة على كل القرارات السياسية الأمريكية وعدم الاعتراض عليها، وخصوصاً ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وربط هذه المساعدات بالموافقة على «صفقة القرن». ولأن السلطة رفضت مسبقاً هذه الصفقة فقد أوقفت الولايات المتحدة كل دعمها للسلطة الفلسطينية، والمثال نفسه ينطبق أيضاً على سحب واشنطن دعمها لوكالة «الأونروا» بهدف تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين.

ولا تتوقف صور المال السياسي على الدول، بل إن الصناديق المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي تقدم قروضها ومساعداتها ومنحها المالية وفقاً لشروط تطلب من الدول، وهذه الشروط في الكثير من الأحيان تمس سيادة الدولة. وقد تقف وراء الكثير من الاحتجاجات التي اندلعت فيها وهددت بقاء النظم. ولعل من أخطر صور توظيف المال خدمة لأهداف سياسية، الدعم الذي تقدمه الدول الغنية للجماعات المسلحة المتشددة والتي من خلالها تتحكم في بوصلة الكثير من الأزمات كما في سوريا.

وأخيراً المال قد يحدد مكانة الدولة، فحجم المال يكون بحجم الدولة وتأثيرها في القرار السياسي الإقليمي والدولي. هذه هي الصورة السلبية لاستخدام المال.

لكن للمال صورة إيجابية وأخلاقية، تتمثل في المساعدات الإنسانية التي تقدمها الدول الغنية للدول الفقيرة في أوقات النكبات الطبيعية، وتتمثل في بناء المدارس والمستشفيات وإعادة الحياة للمنكوبين والفقراء في العديد من الدول. هذه الصورة الأخلاقية نلمسها في الدعم الإنساني الذي يقدمه العديد من الدول العربية النفطية وغيرها من الدول كالاتحاد الأوروبي. متلازمة السياسة والمال أو السلطة والثروة لا تخرج عن منطق وتعريف السياسة الواقعية كصراع على المصالح والنفوذ، إلا أن هذه المتلازمة تخرج عن سياقها كإحدى آليات ممارسة السلطة وتتحول لمثلبة سياسية وأخلاقية عندما تتغول الثروة على السلطة باعتبار هذه الأخيرة منظومة متكاملة من القانون والأخلاق والمصالح تعمل من أجل المصلحة العامة.


تعليقات



اقرأ لـ

 
© حقوق النشر محفوظة لـبوابة الغد