الدكتور عادل عامر يكتب : أفريقيا والقضايا العربية

مقالات ومنوعات
الدكتور عادل عامر يكتب : أفريقيا والقضايا العربية

بقلم الدكتور عادل عامر

 

هل تلتفت إفريقيا إلى المشكلات العربية؟! استفهامٌ مصحوبٌ بالدهشة، فطالما كانت إفريقيا تعاني مشكلات عدة، بنيوية ومؤقتة، تكفيها بحالٍ عن الالتفات إلى غيرها، حيث تدفع بالآخرين، من أشخاص القانون الدولي خارج القارة الإفريقية– دولاً ومنظمات وأفراداً-، للالتفات إليها، وإلى مشكلاتها لاعتبارات عدّة؛ منها تقليص تأثير تلك المشكلات على الساحة الدولية.

 

إلا أنه في ظلّ التفاوت الحاصل في القارة، من ناحية الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية، بين دولٍ تجاوزت مشكلاتها– سواء بنيوية أو مؤقتة-، كجنوب إفريقيا وموريشيوس وغيرهما، وبين دولٍ لا تزال غارقةً في أزماتها الداخلية، وهي السواد الأعظم من دول القارة، كجمهورية إفريقيا الوسطي وبوروندي، يضحى الالتفات إلى مشكلات خارجية– مثل المشكلات العربية-، والتي أضحت معقّدة ومتزايدة ومنتشرة على نطاقٍ جغرافيٍّ واسع، ضرباً من الرفاهية، أو التفاتاً غير مؤثّرٍ- على أقصى تقديرٍ- حالَ حدوثه.

 

استناداً إلى الافتراضات السابقة، التي تتبادر إلى ذهن المتابع والمراقب للشؤون العربية والإفريقية، تنهض هذه الدراسة لمحاولة الإجابة عن هذا التساؤل، واختبار صحة افتراضاته المذكورة، وذلك عبر رصد القضايا العربية الراهنة، ومحاولة رصد تسجيل المواقف الإفريقية– إن وُجدت- بشأن قضايا عربية مختارة قطاعيّاً وجغرافيّاً، أو قضايا متشابهة؛ أي تعاني القارة الإفريقية من مثيلاتها، وذلك حتى يمكن الوقوف إلى حدود الاختلاف في المواقف الإفريقية منها، وما إذا كان المحدّد الجغرافي أو المحدّد القطاعي– اقتصاديَاً، سياسيّاً، عسكريّاً-، أو معيار التشابه في القضايا بين الواقع العربيّ والإفريقيّ، تعدّ محددات مؤثّرة في تشكيل تلك المواقف الإفريقية، أو مؤثّراً في اتجاهها، في محاولة لإجمال استنتاجٍ عامٍّ بشأن الموقف الإفريقي من المشكلات العربية.

 

وتنطلق الدراسة من المقولة الشهيرة المنسوبة للرئيس الغيني الراحل «أحمد سيكوتوري»، إبان العدوان الإسرائيلي على الأراضي العربية في يونيو 1967م، والتي أكدّ فيها: «عدم إمكان عزل القضية العربية عن الأماني والأهداف التي تطمح لها الشعوب الإفريقية»، لاكتشاف حجم التغيّر في المواقف الإفريقية من الأزمات العربية الأخيرة، وذلك عبر محاولة رصد التمايز بين الموقف الجماعي الإفريقي، ممثلاً في الاتحاد الإفريقي من ناحية، والمواقف الفردية للدول الإفريقية، والتي قد تتراوح بين الالتفاف سلباً أو إيجاباً، أو عدم الاكتراث من ناحية أخرى (1).

 

الموقف الإفريقي من الأزمة الليبية:

 

يبدو أنّ الأزمة الليبية لجغرافيتها تعدّ أولى القضايا العربية/الإفريقية محلّ الاهتمام الإفريقي الرسمي في قائمة المشكلات العربية التي قد تلتفت لها إفريقيا، فرادى أو بشكل جماعي، حيث يمكن رصد اهتمامٍ يتجاوز حدّ الالتفات أو البيانات الإعلامية تجاه هذا الملف، وإنما يتجاوزها إلى اتخاذ إجراءات.

 

فعلى مستوى الموقف الجماعي الإفريقي: التفت الاتحاد الإفريقي مبكّراً إلى الأزمة الليبية، ربما لتداعياتها القريبة على دول الجوار الإفريقي الأخرى، والتي تأثرت بالتداعيات الداخلية لتلك الأزمة (2)، فقد أعلن الاتحاد في أعقاب بدء الأزمة– قبل رحيل معمّر القذافي- محاولته لتقريب المواقف الإفريقية بشأن الأزمة، حيث أعلن القذافي حينها رفضه لأي وساطة غير وساطة الاتحاد الإفريقي (3).

 

ولم تتناول خارطة الطريق المطروحة من الاتحاد الإفريقي حينها موقفاً واضحاً حول رحيل القذافي من عدمه، وإنما إعلان خارطة تشمل بنودها عدة إجراءات؛ منها: وقف إطلاق النار، ووقف عمليات حلف شمال الأطلسي في ليبيا، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وفترة انتقالية، وإجراء إصلاحات ديمقراطية وانتخابات، وعليه لم تتناول الخطة الإفريقية حينها ما سيؤول إليه وضع القذافي، وذلك في محاولةٍ منها لاستجماع المواقف الإفريقية حول الخطة، وهو ما قبله القذافي حينها، ورفضته المعارضة الليبية وثوارها (4).

 

ومع منتصف العام 2011م بدأت ملامح الإخفاق تتبلور؛ حين أخفق «رئيس جنوب إفريقيا» «جاكوب زوما»- بوصفه رئيس اللجنة العليا للاتحاد الإفريقي لتسوية النزاع في ليبيا- للعاصمة الليبية طرابلس في مايو 2011م، في مهمّة وساطة في الأزمة الليبية، وتنفيذ خريطة طريق الاتحاد الإفريقي (5).

 

كما أخفقت قمة الاتحاد الإفريقي المنعقدة في «مالابو» (عاصمة غينيا الاستوائية) في الوصول لموقفٍ مشتركٍ ومتماسكٍ وواضحٍ في هذا الشأن (6).

 

ومع تصاعد الأزمة واتساعها، وانتقالها إلى مستوى أبعد، سماته الحرب الأهلية والفوضى، توالى الاهتمام الإفريقي بالأزمة الليبية مع مرور تلك السنوات دون بادرةٍ قريبةٍ للحلّ، حتى مطلع عام 2016م عندما أعلن الاتحاد الإفريقي عن مجموعةٍ من الخطوات بشأن الملف الليبي، تناولها في اجتماعات قمة الاتحاد الإفريقي في 31 يناير 2016م؛ منها تشكيل مجموعة إقليمية لمساعدة ليبيا في تشكيل حكومة وحدة وطنية، وكذا مساعدتها في مواجهة تنامي تنظيم «الدولة الإسلامية»، وتضمّ تلك المجموعة في عضويتها خمسة رؤساء دول.

 

كما قام الاتحاد الإفريقي بتعيين «ديليتا محمد ديليتا» (رئيس وزراء جيبوتي السابق) مبعوثاً خاصاً للاتحاد الإفريقي إلى ليبيا، ثم أعقبه تعيين الرئيس التنزاني السابق «جاكي كيكويتي» في المنصب نفسه 


.الموقف الإفريقي من الأزمة اليمنية:

 

لعلّ الموقف الإفريقي بشأن الأزمة اليمنية الدائر رحاها منذ سنوات مختلفٌ كليةً عن موقفه من نظيرتها الليبية، حيث إنه يصعب تحري موقفٍ إفريقيٍّ جماعيٍّ واضحٍ بشأن الأزمة على مستواها السياسي على الأقل، حيث إنّ أبعاد الالتفات الإفريقي للأزمة اليمنية يمكن وصفه بصفتَين: هما التفاتٌ فردي- من ناحية-، وفي دوائره الإنسانية- من ناحيةٍ ثانية-.

 

فعلى الرغم من كون اليمن استمرت لسنوات قبلةَ المهاجرين واللاجئين الأفارقة، خصوصاً من منطقة القرن الإفريقي، سواء بوصفها محطة وصول، أو محطة عبور لغيرها، إلا أنه ومع انفجار الأوضاع في اليمن تبدّل الحال، أو بالأحرى تعقّد وتشابك وازدوج، حيث ما زالت اليمن تستقبل لاجئين أفارقة هاربين من جوع إفريقيا، في حين ترسل لاجئين يمنيين لإفريقيا هرباً من رصاص الأزمة (9) !

 

وهنا يمكن رصد غياب موقفٍ إفريقيٍّ جماعيٍّ بشأن الأزمة اليمنية، في مقابل الموقف الإفريقي الفردي بصورته السياسية والإنسانية المتمثل في «دولة جيبوتي»؛ وهو الموقف المفهوم في ضوء قرب الأخيرة لليمن وموقعها على الطرف الآخر لمضيق باب المندب، وعليه؛ فقد أضحت قاعدة استقبالٍ وتجميعٍ للمساعدات الإنسانية المقدمة إلى اليمن، وملاذاً لاستقبال اللاجئين اليمنيين؛ حيث بلغ أعداد اللاجئين إليها قرابة 15000 في منتصف عام 2015م، ولكن كان استقبال جيبوتي للاجئين اليمنيين بضوابط صارمة، تتمثل في عدم السماح لهم بدخول مدن جيبوتي، وإنما السماح لهم في الإقامة بمخيمات خاصّة تُوصف بالمعزولة والنائية (10).

 

وانطلاقاً من جغرافية جيبوتي، وقربها من اليمن، وكذا ما لديها من إمكانيات عبر استضافتها لقواعد أجنبية على أراضيها، فقد مارست جيبوتي دوراً رئيساً في إجلاء رعايا الدول المختلفة، كالرعايا المصريين والأتراك، ورعايا الدول الغربية من اليمن، وهو الموقف الذي قد يؤهلها لدَوْرٍ سياسيٍّ أكبر في أيّ حلٍّ دوليٍّ بشأن الأزمة اليمنية، وذلك بعيداً عن المواقف الخليجية المتورطة سياسيّاً وعسكريّاً في الأزمة، والتي يصعب عليها ممارسة مثل هذا الدور (11) .

 

وبالتوازي مع الموقف الجيبوتي الفردي بشأن الأزمة اليمنية؛ ينهض موقفٌ آخر لدولة إريتريا، يتشكّل بروافد إسرائيلية وإيرانية، حيث يوجد بإريتريا وجودٌ عسكريٌّ إسرائيليّ، تصفه وكالة الاستخبارات الأمريكية بـ «صغير، لكنه ذو مغزي»، هذا من ناحية، وحفاظها– أي إريتريا- على علاقات تُوصف بـ «القوية» مع إيران، مع عقدها اتفاق في 2008م تحتفظ بموجبه بقوةٍ عسكريةٍ إيرانية في «أساب»، وسببه المعلن هو حماية المصافي النفطية في المنطقة، وتتمثل أهداف الدولتين (إسرائيل وإيران) في رغبتهما في السيطرة على مضيق باب المندب، والخطّ البحري تجاه قناة السويس (12).

 

ومع الأخذ في الاعتبار عدم إعلان اسم إريتريا كعضوٍ من ضمن أعضاء التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب والمعلن من قبل السعودية، فإنه يمكن أن تمارس إريتريا دَوْراً مزدوجاً في الأزمة اليمنية، أولهما إما أن تكون محطة إنزال لقوات التحالف الإسلامي حال إقرار ذلك، أو أن توفّر الحماية للقوات المشاركة في عملية الإنزال من ناحية، أو أن تكون مصدراً للقلق في الأزمة اليمنية عبر احتمالية توفير مساعدة ودعم للتنظيمات الموالية لإيران باليمن، ومن قرائن خطورة الموقف الإريتري في اليمن- إيجاباً أو سلباً- قيام الرئيس الإريتري «أسياس أفورقي» بزيارةٍ للرياض يومَي (28 ، 29) أبريل عام 2015م، وعقد جلسة مباحثات مع العاهل السعودي، وولي ولي عهده، كما استقبلت إريتريا أيضاً في (26 ، 28) من الشهر نفسه وفوداً سعودية وإماراتية رفيعة المستوى (13) .

 

وعليه؛ فإنّ المدخل الإفريقي للأزمة اليمنية ينطلق من الأهمية الجغرافية في الأساس، وتأثيره في استراتيجية وتحولات الأزمة في اليمن، والتي تتمثل في دولتَي جيبوتي وإريتريا- من ناحية-، وعلى علاقات هاتَيْن الدولتين بالقوى العالمية والإقليمية المهتمة أو المؤثرة في الأزمة اليمنية- من ناحية أخرى-.

 

الموقف الإفريقي من ملف الإرهاب والتنسيق العربي الإفريقي في التعامل مع التنظيمات المسلحة المتطرفة:

 

على الرغم من احتواء إفريقيا على تنظيمات موسومة بالإرهاب في أنحاء جغرافية عدة، وتتمايز تلك التنظيمات عن مثيلاتها العربية– أو بمعنى أدق التي تنشط في المنطقة العربية- بدرجاتٍ ما، إلا أنّ ذلك لا يعني عدم تأثّر إفريقيا سلباً بالتنظيمات المستوطنة في المنطقة العربية، وبالتالي عدم التفاتها إليها، وإنما على العكس من ذلك؛ حيث إنها من ضمن أقاليم الاستهداف للتنظيمات الإرهابية.

 

وحيث إنّ الحديث عن الإرهاب في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين يدفع إلى تناول نموذجٍ جديدٍ في الظاهرة الإرهابية، يمكن وصفه بـ «الظاهرة الإرهابية الجديدة»؛ متمثلاً في «تنظيم الدولة»، والذي يُعرف اختصاراً في الأوساط الإعلامية بتنظيم «داعش»، تمييزاً له عن الظاهرة الإرهابية التقليدية المتمثلة في «تنظيم القاعدة» ومدارسها وفروعها، فإنّ الموقف الإفريقي بشأن الظاهرة الإرهابية في المنطقة العربية لا يعدّ بعيداً أو غير مألوفٍ في هذا الشأن، خصوصاً في ظلّ إعلان العديد من التنظيمات المتطرفة المسلحة التي تنشط في إفريقيا عن ولائها لهذا التنظيم الجديد(14) .

 

ففيما يخصّ الموقف الإفريقي الجماعيّ: يتمثل في قيام مجلس السّلم والأمن الإفريقي بوصف الإرهاب على لسان مفوض المجلس «إسماعيل شرقي» باعتباره «مصدر قلق»، خاصّة في ظلّ تنامي تنظيم «داعش»، وتخوّف المجلس من «تنقّل بعض العناصر الإرهابية إلى إفريقيا...» (15)، وهو الخطاب الذي أكده البيان الختامي لقمة الاتحاد الإفريقي الأخيرة؛ وهي القمة السادسة والعشرين، والمنعقدة في أديس أبابا في 1 فبراير الفائت.

 

 


تعليقات



اقرأ لـ

 
© حقوق النشر محفوظة لـبوابة الغد