الدكتور عادل عامر يكتب : الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع

مقالات ومنوعات
الدكتور عادل عامر يكتب : الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع


بقلم الدكتور عادل عامر

 

واجهت المجتمعات الإنسانية -عبر التاريخ- بعض الأوبئة التي انتشرت على نطاق واسع، وأصابت أعدادًا هائلة من البشر، وأودت بحياة الملايين في فترة زمنية قصيرة. وقد أثّرت هذه الأزمات على الأفراد الذين عاشوا هذه الخبرة الاستثنائية، إذ غيّرت جانبًا من اتجاهاتهم القِيمية،

 

 وأثارت لديهم العديد من الأسئلة الوجودية التي لا إجابات لها، بل وتركت في بعض الحالات تأثيرات على التركيبة النفسية لأجيال كاملة، والتي وإن استطاعت النجاة البدنية من الوباء، فإنها لم تتعافَ من آثاره النفسية والاجتماعية.

 

وتظل هذه الخبرة عالقة في الضمير الجمعي للمجتمعات ومكوِّنًا أساسيًّا لتاريخه، مثلما ترسخ وباء الطاعون، أو "الموت الأسود" في التاريخ الأوروبي.

 

 وعكست العديد من الأعمال الأدبية الخبرة الإنسانية للمجتمع الأوروبي خلال هذه الفترة، والتي لا تزال قائمة في المجال العام الأوروبي حتى بعد مرور مئات السنوات

 

. فالأوبئة مثلها مثل خبرة الحروب بالنسبة للمجتمعات، حيث تشهد تغيرات جذرية في نمط حياتها اليومية، وتتبدل ملامح الحياة، وتنتهي التجربة بخلق معانٍ وقيم وأفكار وأنماط مختلفة للحياة الإنسانية. في حالة الأزمات، تقل الفجوة بين الفرد والمجتمع، حيث يرتبط مصير الفرد بمصير المجتمع ككل، ويَظهر نوعٌ من الشعور الجمعي والتضامن بين أعضاء المجتمع الذي يعاني من تهديد واحد في نفس الوقت، وقد ظهرت مشاهد في دول انتشار فيروس كورونا المستجد الحالي لسكان بعض الأحياء الذين يتواصلون بالغناء أو التصفيق أو الدعاء في اللحظة ذاتها،

 

 والتواصل عبر النوافذ لدعم بعضهم بعضًا، وتحفيز أنفسهم على مواصلة المواجهة والحفاظ على التوازن وبث مشاعر الأمل والتضامن. وعلى الجانب الآخر، تحفز هذه الأوقات المجتمع على خلق أفكار ومبادرات للمساعدة في الوضع الحالي، ومن ذلك ما قام به مهندس إيطالي بشركة للطباعة باستخدام تقنية ثلاثية الأبعاد بتصميم وطباعة صمامات تنفس لصالح مستشفى في إيطاليا نفد مخزونها من هذه الأدوات الطبية. أخيرًا، تُعد الأوبئة من الخبرات الاجتماعية التي تترك تأثيرات طويلة المدى، وتظل انعكاساتها لسنوات، وقد تساهم في تطوير أو تغيير الملامح الاجتماعية للدول،

 

 خاصة مع زخم التفاعلات التي تصاحب فترة وجود الوباء. وعلى الرغم من أن الأزمة الحالية التي يمر بها العالم تأتي في سياق مغاير تمامًا للأزمات المشابهة التاريخية، حيث تلعب الحلول التكنولوجية عاملًا في ظهور حلول مبتكرة، وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي عاملًا مركبًا آخر بين نشر الوعي والشائعات وتخفيف حدة "التباعد الاجتماعي" الذي يطبق حاليًّا؛ فإن الفترة القادمة سوف تشهد ظهور سلوكيات وتوجهات جديدة استجابة للوضع الحالي.

 

مشكلة البطالة هي من أخطر المشكلات التي تواجه اقتصادات العالم لما لها من آثار سلبية خطيرة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، فالبطالة من الأمراض الاجتماعية السيئة بما تحمله من شرور تؤدي بالنهاية إلى تفكك المجتمع وتشويه القيم الأخلاقية وخاصة إذا كانت تنتشر بين الفئات العمرية القادرة على العطاء والتي تمتلك مخزوناً من الطاقة الإنتاجية؛ حيث إن الإحصاءات العلمية توافقت على أن للبطالة آثارها السيئة على الصحة النفسية والجسدية من حيث إن العاطلين عن العمل يشعرون بالفشل والإحساس بانخفاض قيمهم الاجتماعية مقارنة بالذين يزاولون أعمالاً وأنشطة إنتاجية وتشعرهم بالنقص.

 

فالبطالة تبدأ من أنظمة غير مستقرة ولا تتمتع بنوع من الهدوء تحكمه أمزجة فردية لا تعير الاقتصاد أي نوع من الاهتمام، وينعكس ذلك بالتالي على تدهور اقتصادي، الذي يؤدي بالنهاية إلى البطالة، التي بدورها تؤدي إلى الفقر والعداء تجاه المجتمع ثم الانحراف والسلوك الإجرامي بسبب تعرض العاطل عن العمل بعدم الرضا والضغوط النفسية التي تسببها الضائقة المالية.

 

إن شبح البطالة ألقى بظلاله على قطاعات واسعة من المجتمع بحيث تنجم عن تلك البطالة المظاهر السلبية مثل انتشار دائرة الفساد المالي والإداري وانخفاض مستوى التعليم كماً ونوعاً، وتزايد ظاهرة عمالة الأطفال وترك مقاعد الدراسة مبكراً كنتيجة طبيعية لتدني الحياة المعيشية وانتشار الفقر وخسارة المجتمع لجزء من قوة العمل، هذا عدا عما يصيب الشباب المتعطل من إحباط نفسي يدفعه إلى الإقدام على ممارسات سلوكية ضارة بالمجتمع.

 

إن السياسات الاقتصادية السليمة هي البداية الواجب تبنيها للقضاء على البطالة، ولتمكين المجتمع من الاستمرار في طريق التطور والتقدم وتحقيق المعدلات الاقتصادية.

 

إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب التعاون من جميع القطاعات مثل دعم وتشجيع القطاع الخاص ليأخذ دوره بالمشاركة في تقليل نسب البطالة عن طريق مساهمته في خلق فرص عمل تتناسب ومقدراته والتوسع في التدريب والتأهيل للقوى البشرية العاملة والارتقاء بمستوى التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية كما أن إصدار القوانين الخاصة بجذب الاستثمار الأجنبي الذي يؤدي إلى نتائج إيجابية على البطالة وليس الاستثمار الذي يهتم فقط بفوائده الربحية والاستفادة من الامتيازات الممنوحة له.

 

كما أن إصدار قوانين تسهل انتقال اليد العاملة من جهة إلى أخرى تساعد على سد فراغ المهن المطلوبة والفائضة بمكان آخر.

 

من جهة أخرى، إن الاعتماد على استيراد وعدم السعي إلى التصنيع يؤديان إلى نقص فرص العمل ويفاقم المشكلة؛ لذا التشجيع على الاستثمار في الصناعات المحلية يساهم في تقليل حجم العاطلين عن العمل. تشجيع العمل الحر للابتعاد عن النظرية السائدة إن الحكومات هي مسؤولة عن تشغيل الخريجين.

 

وحتى الدول الأوروبية المتطورة تضع معيار البطالة واحداً من أهم المؤشرات لتقييم الأداء الحكومي وبناء القرارات الاستراتيجية وعلى سبيل المثال شهدنا ذلك في الاستفتاء لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ حيث عانى البريطانيون من المهاجرين الأوروبيين، الذين اتهموا بأنهم استحوذوا على فرص الوظائف في البلاد. هناك أنواع من البطالة مثل البطالة الموسمية، التي تحدث نتيجة الظروف الاقتصادية أو المناخية وخاصة في البلدان السياحية التي تعتمد على السياحة في مواسم معينة من السنة، والبطالة الهيكلية التي تحدث بسبب تغير هياكل وأساليب الإنتاج لتحل التقنيات المتطورة محل العمالة اليدوية، والبطالة المقنعة التي تتسبب في تكديس عدد كثير من العمال الذين ليس لهم نية في العمل في مجالات لا يرغبون في العمل بها وهذا أخطر أنواع البطالة.

 

ولكن هناك بطالة إجبارية التي لا اختيار للإنسان بها وإنما فرضت عليه أو ابتلي بها كأسباب أنه لم يتعلم مهنة في الصغر ويفتقد إلى رأس المال وعدم معرفته بالتجارة أو لا يريد أن يعمل بمحض إرادته.

 

قد لا تكون هذه هي كل الحلول ولكنها تسهم بشكل كبير في انخفاض البطالة. إن مكافحة البطالة ليست شأناً خاصاً؛ بل هو مجتمعي شامل والحل الجذري هو المطلوب. تعني العولمة الاقتصادية نظاماً تجارياً عالمياً مفتوحاً تزول فيه العوائق أمام حركة السلع والبضائع والخدمات وعوامل الإنتاج  خاصة  رأس المال عبر الحدود الدولية وتغدو فيه التجارة الدولية الحرة والمتعددة الأطراف هي القاعدة  وهذا يؤدي في النهاية إلى تكامل اقتصادي عالمي متزايد في أسواق السلع والخدمات ورأس المال

 

  وتتحول فيه قوى السوق العاتية إلى نظام اقتصادي  عالمي تفرض فيه الشركات المتعدية الجنسية والمنظمات العالمية الحاكمة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي انسجاما بل تطابقا ً بين جميع الأقطار ومهما كانت مواقعها وتفصيلاتها

 

أن العولمة هي صيرورة رأسمالية تاريخية يتحول فيها خط الإنتاج الرأسمالي من دائرة عولمة المبادلة والتوزيع والتسويق والتجارة إلى دائرة عولمة الإنتاج الرأسمالية، مع عولمة رأس المال الإنتاجي وقوى وعلاقات الإنتاج الرأسمالية مما يقود إلى إخضاع العالم كله إلى النظام الرأسمالي تحت قيادة وهيمنة وتوجيه القوى الرأسمالية العالمية والمركزية وسيادة نظام التبادل الشامل والمتميز لصالح الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة

 

، ففي عالم معولم، ستنعدم الحدود ويزول التمييز بين الأسواق الوطنية المحلية والأسواق الأجنبية العالمية وستتزايد الاندماجات والاستحواذات والتحالفات بين المشاريع المتنافسة بحجة تقليص التكاليف وزيادة الكفاءة الإنتاجية والتسويقية لكل منها ويعترف دعاة العولمة بأن عولمة الأعمال والتمويل ستؤدي إلى الحد بدرجة كبيرة من قدرة الحكومات الوطنية على رسم سياسات اقتصادية وطنية مستقلة وعلى إضعاف سيطرة الحكومات على اقتصادياتها.

 

بالرغم من بعض الايجابيات لظاهرة العولمة  فلا بد لنا أن نعلم من أن الخطر الذي يتهدد الثقافات الوطنية في عالم اليوم الآخذ في التعولم خطر لا فكاك منه إلى حد كبير. والحل الوحيد غير المتاح هو إيقاف العولمة التجارية والاقتصادية، حيث إن قوى التبادل الاقتصادي وتقسيم العمل من الصعب مقاومتها في عالم متنافس يؤججه تطور تقني شامل يهيئ التقانة الحديثة حدا تنافسياً هذه مشكلة، ولكنها ليست مشكلة فقط، حيث إن التجارة والاقتصاد العالميين يمكن أن يقترنا – برخاء اقتصادي أكبر لكل أمة من الأمم. ولكن يمكن أن يكون هناك خاسرون وفائزون حتى إن كان صافي إجمالي الأرقام صاعداً غير نازل. والملاحظ في نطاق المتفاوتات الاقتصادية أن الاستجابة الصحيحة لا بد أن تتضمن جهودا متضافرة لجعل شكل العولمة أقل تدميرا للعمالة وللحياة التقليدية وتحقيق انتقال تدريجي.

 

 وحتى تكون عملية الانتقال سلسة يتعين أن تتوافر فرص لإعادة التدريب واكتساب مهارات جديدة (أولئك الذين سيفقدون أعمالهم من دون ذلك) هذا علاوة على توفير شبكات الأمن الاجتماعي (في شكل ضمان اجتماعي وغير ذلك من تنظيمات داعمة) التي أضيرت مصالحهم – على المدى القصير على الأقل – بسبب التغيرات الناجمة عن العولمة. والجدير ذكره أن هذه الفئة من الاستجابات سيكون لها إلى حد ما أثر ايجابي على الجانب الاقتصادي أيضاً.


تعليقات



اقرأ لـ

 
© حقوق النشر محفوظة لـبوابة الغد