الدكتور أحمد ضياء الدين يكتب : " الاقتصاد الوطنى والانطلاق الحقيقى "

مقالات ومنوعات
الدكتور أحمد ضياء الدين يكتب :


بقلم - أحمد ضياء الدين


أوضحت التقديرات المحدثة والمعلنة من قبل (صندوق النقد الدولى لأداء الاقتصاد العالمى خلال 2020، حيث أكدت تلك التقديرات أن الاقتصاد المصرى أبدى قدرا كبيرا من التماسك والصلابة، والقدرة على التعامل مع تداعيات جائحة كورونا.

 

 وأشارت تلك البيانات الصادرة عن الصندوق أن الاقتصاد المصرى قد حقق ثانى أعلى نمو اقتصادى عالمى فى هذه الفترة بمعدل قدره 3.6%. إلى جانب كون مصر ضمن 15% فقط من الدول التى حققت نمو إيجابى على مستوى العالم. فضلا عن أن مصر هى الدولة الوحيدة التى تحقق معدل نمو إيجابى أكثر من 3% خلال 2020 فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وذكر البيان الرسمى الصادر عن خبراء صندوق النقد الدولى فيما يتعلق بالمراجعة الأولى لبرنامج الصندوق مع مصر، تقدير خبراء الصندوق للتنفيذ المتقن لبرنامج الإصلاح الاقتصادى الذى أسهم فى الحد من آثار جائحة كورونا. كما تضمن البيان الإشادة بمبادرات القطاع المالى المصرى الموجهة إلى القطاعات والفئات المتضررة، ثم أكد البيان أن الأداء القوى للحكومة المصرية ساعد على تحقيق كل أهداف ومؤشرات البرنامج المحدد مع مصر بما فيها تجاوز تراكم صافى احتياطى النقد الأجنبى والفائض الأولى للموازنة الأهداف التى يتضمنها البرنامج. بالإضافة إلى الإشادة بإقرار قانون جديد يهدف إلى تبسيط الإجراءات الجمركية والإشادة بالسيولة والربحية الجديدة للنظام المصرفى المصرى. ثم أشار البيان عن تقديره لتركيز السياسة المالية للحكومة المصرية بشكل ملائم للسنة المالية 2020/2021، وتركيزه على دعم الأولويات العادلة لقطاع الصحة، وحماية الفئات الأكثر تعرضا للمخاطر، ودعم القطاعات المتأثرة بجائحة كورونا. مع الإشارة إلى كفاءة وتوازن حزم وبرامج المساندة المالية التى عملتها ونفذتها الحكومة المصرية ووزارة المالية، وذلك فى إطار المقارنة من قبل الصندوق بما تم فى الدول المماثلة الأخرى حيث استطاعت مصر تحقيق أعلى أثر إيجابى على النشاط الاقتصادى من خلال تلك الإجراءات التى استهدفت القطاعات الأولى بالمساعدة).

 

ويوضح ذلك المضمون الذى حواه تقرير صندوق النقد الدولى باعتباره أكبر مؤسسة دولية للاقتصاد والمالية على مستوى العالم بأسره، والذى تعد تقاريره بمثابة شهادات موثقة تترك أثارها على كافة بلدان العالم سواء فى نتيجتها الإيجابية، أم فى تلك السلبية. الأمر الذى يقطع بوجود عدة دلالات يتعين على المواطنين الشرفاء كافة أن يتفهموها بحسب ثقافة، ومعرفة كل منهم على حدة. ومن ثم يصبح من الضرورى، بل من الواجب الوطنى، إلقاء الضوء على أهم تلك الدلالات، والتى يمكن تلخيصها فيما يلى:

أولا: الإشادة من قبل صندوق النقد الدولى بما حققه الاقتصاد المصرى خلال فترة معاناة العالم بأسره من جائحة الكورونا، حيث تساوت غالبية الدول فى التأثر بشكل سلبى بانتشار تلك الجائحة.

 

ثانيا: خضوع الاقتصاد المصرى مثله فى ذلك مثل باقى اقتصاديات العالم لهذا التأثر السلبى من معاناته من تلك الجائحة، وذلك فى ضوء حرص القيادة السياسية على اتخاذ كل ما من شأنه لتخفيف حدة هذا التأثر السلبى الذى خضع له الكافة.

 

ثالثا: أن تقارير صندوق النقد الدولى ليست من تلك التقارير التى يمكن إخضاعها للتسيس، أو للتأثير، أو للاستقطاب، أو للمحاباة، أو للفساد بأى قدر مما يجعلها فى النهاية تصدر فى إطار هو أبعد ما يكون عن الحقيقة. بل هى دوما شهادات تتسم بالموضوعية، والحيادية، والشفافية، والجرأة.

 

رابعا: أن انتشار جائحة الكورونا هو بمثابة وباء قد أصاب العالم كله دون تمييز بين دولة وأخرى، وذلك نزولا على ما أصبحت تتسم به حركة الحياة فى ذلك العالم، والتى أصبحت تنطق بخضوعه فى كافة أرجاء المعمورة لما يمكن أن يسمى بالاستطراق الحياتى، أى بمعنى خضوع كافة الدول لقدر شبه متساوى فى التأثر بمعطيات الحياة اليومية فى الكرة الأرضية بأسرها كنتيجة طبيعية لثورة الانتقال والاتصال التى أصبحت هى السقف الحاكم لتلك الحركة فى الحياة بتفصيلاتها. ومن ثم وصول الدول إلى مستويات متقاربة فى الخضوع للمؤثرات التقنية، وشيوع ظواهر يتماثل فيها الكافة.

 

خامسا: أن انتشار وباء الكورونا رغم خطورته، ورغم أثاره الجسيمة المتمثلة فى إصابة الحياة بقدر من الركود بل والجمود، فقد أصبح التعامل مع ذلك الوباء يفرض وجوب المعايشة الحذرة مع نتائجه، دون إمكان قبول الاستسلام الكامل لنتائج انتشار الوباء بصورة تقارب بين الحياة والموت للكافة. الأمر الذى يقطع بإمكان التعامل مع النتائج السيئة للوباء من خلال حزمة من الوسائل والأدوات الكفيلة فى النهاية بتخفيف حدة تلك الآثار السيئة، دون إمكان النجاح فى محوها تماما.

 

سادسا: أن الاقتناع بتلك الوسائل والأدوات هو رؤية سياسية محضة فى إطار من المشورة الخبراتية، العلمية، المالية، والاقتصادية. الأمر الذى يفرق بين دولة وأخرى فيما تتخذه قيادتها السياسية من قرارات فورية وحالة تساهم فى النهاية فى تحقيق أقصى قدر من تخفيف حدة تلك الآثار المدمرة لانتشار الوباء، دون القضاء عليه.

سابعا: أن ذلك الفارق المحدث للتباين فى حال الدول بعضها وبعض، ينتج عن أمرين رئيسيين تحرص عليهما القيادة السياسية فى كل دولة بحسب منظورها، وبحسب قناعتها، وبحسب خبراتها، وبحسب وعيها ودرجة حسها. ويتمثل الأمر الأول فى مدى الاقتناع باتخاذ عدد من الوسائل والأدوات المجسدة فى قرارات يؤدى تنفيذها إلى تخفيف حدة وجسامة الآثار المدمرة لانتشار الوباء. بينما يتمثل الأمر الثانى فى جرأة اتخاذ أى من تــلك القرارات- مهما بلغ قدر صعوبتها، أو عدم ملاءمة الاقتراب منها- فى توقيتاتها المُثلى دون إرجاء أو تأخير.

 

ثامنا: أن مصادر تمويل الخزانة المصرية من النقد الأجنبى قد تنحصر بشكل جوهرى فى عائدات صناعة السياحة، وتحويلات المواطنين العاملين فى الخارج، وعائدات قناة السويس، وكذلك عائدات منظومة الصادرات. فضلا عن المصادر الأخرى من العملة الوطنية والمتمثلة بالدرجة الأولى فى حصيلة الضرائب، والجمارك، وأنشطة التجارة، والصناعة، للوفاء بمطلوبات الاستهلاك المحلى.

وتوضح تلك المصادر كافة مدى السلبية والانحسار الذى أصاب كل منها بسبب معاناة العالم بأسره من جائحة الكورونا. الأمر الذى جعل القيادة السياسية بحرصها، ووطنيتها، تلجأ إلى عدد هائل من الوسائل الفاعلة لتخفيف حدة التأثر بذلك الجفاف فى مصادر الدخل.

وهى الوسائل التى تمثلت فى خلق مشروعات وطنية عملاقة، تستوعب عدد من المتعطلين والمتبطلين من جراء انتشار الجائحة.

علاوة على وضع الإجراءات الكفيلة لتسهيل منظومة التصدير للخارج خاصة فى المجالات الصناعية التى ترتبط بانتشار تلك الجائحة، وكذلك استجابة لطلبات الدول المجاورة الصديقة والشقيقة الراغبة فى مواجهة انتشار تلك الجائحة. بالإضافة إلى تعظيم قدر الإنجازات فى مجال مشروعات الطاقة، والأنشطة الزراعية المؤدية إلى النهوض بنتائجها للوفاء باحتياجات السوق المحلية والعالمية. وكلها وسائل تضاف إلى غيرها أمكن من خلالها تخفيف حدة الكساد بل والجمود الناجم عن انتشار وباء الجائحة

 بجانب تعظيم قدر السياحة الداخلية، والخارجية قدر الإمكان خاصة بالنسبة للأماكن ذات الشهرة العالمية، والتى يمكن من خلال صيتها المساهمة فى تخفيف حدة الاثار السلبية السيئة الناجمة عن انتشار الجائحة، وكنتيجة طبيعية لسطوع الشمس فيها لساعات طويلة وفى مقدمتها مدن سيناء الحبيبة، مما يغرى بزياراتها كنوع من أهم وسائل الوقاية من الإصابة بذلك الوباء.

تاسعا: أن قدرة الاقتصاد المصرى وفقا لتقرير صندوق النقد الدولى على تحقيق قدر من النمو قد قارب نحو 4% وفقا لما أشار به ذلك التقرير، يعد إنجازا هائلا قد تحقق فى ضوء ما سبق اتخاذه من إجراءات حاسمة، وغير مسبوقة، وجريئة، فى مجال الإصلاح الاقتصادى، خاصة فيما يتعلق بسعر الصرف، وتوازن الميزان التجارى، وتخفيض قدر العجز فى ذلك الميزان، وحسن خلق مصادر جديدة للدخل المحلى كنتيجة طبيعية لحسن توظيف ثروات وأصول الدولة الراكدة، بل والمهملة لسنوات طويلة ماضية.

 

عاشرا: أن ذلك التقرير يعد بمثابة شهادة تقدير من صندوق النقد الدولى على حسن إدارة أمور الدولة المصرية من خلال القيادة السياسية الواعية، والتى أدركت مدى الأهمية المتحققة من إدارتها الرشيدة لكافة ملفات الدولة، وعدم ترك أي منها لأى مستوى آخر بسبب ما رصدته الرؤية الفاحصة لتلك القيادة من اتسام أداء كافة الكوادر الأخرى بقدر هائل من الارتعاش، والغير قادر إطلاقا على اختراق الملفات المتراكمة للمشكلات المتزامنة، والوصول فيها إلى قرارات جذرية تعود بالنفع أولا على موضوع تلك المشكلات من ناحية، والحيلولة دون المزيد من استفحالها، بل وتستطيع أن تخلق مجالات جديدة تعين على تحقيق الألاف من فرص العمل القادرة على مواجهة ظاهرتى البطالة، والتضخم من ناحية أخرى.

 

تلك أهم الدلالات المتحققة من جراء مدارسة تقرير صندوق النقد الدولى بشأن تقديراته لأداء الاقتصاد العالمى وليست المصرى فحسب خلال عام 2020 المقارب على انتهائه، والتى كانت كلها محلا لاجتماع عقد بتاريخ الأمس برئاسة السيد رئيس الجمهورية والقيادات التنفيذية والمالية، والاقتصادية، لمدارسة نتائج ذلك التقرير من ناحية، والاعتماد على ما أشار إليه للانطلاق نحو المزيد من الرشد فى أداء الدولة المصرية بأسرها والاقتصاد المصرى على وجه الخصوص من ناحية ثانية.


تعليقات



اقرأ لـ

 
© حقوق النشر محفوظة لـبوابة الغد