ابراهيم مجدى صالح يكتب : المنافقون وعلاقتهم بالفتنة والفساد

03/02/2021 12:38 PM مقالات ومنوعات
ابراهيم مجدى صالح يكتب : المنافقون وعلاقتهم بالفتنة والفساد

 

 

للمنافقين علاقة وثيقة بالفتنة والفساد في الأرض ؛ فالمنافق يحمل أدوات ومعاول الهدم والتخريب والفساد ؛ كما يحمل صفات النفاق المشهورة والمعلومة لدى الجميع؛ ومن أهم هذه الصفات : الكذب والخداع والخيانة والتدليس وخلف الوعد ؛ وأظهر صفات المنافقين قديما وحديثا هي إظهار الإسلام قولاً وعملاً، وإضمار الكفر، ومَنْ يكون هذا حاله يُقالُ له "منافق"؛ فهو يتظاهر بالإيمان والعمل الصالح، ليتستَّر بالإسلام على كفره ليأمن من بطش المسلمين، وليدفع الخطر عن نفسه، ويكون المنافق في الغالب مرتبكاً وخائفاً من الفضيحة؛ فهو بذلك شر الناس وذو وجهين ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ ".

 

" قال القرطبي – رحمه الله-  : إنما كان ذو الوجهين شر الناس لأن حاله حال المنافق ، إذ هو متملق بالباطل وبالكذب ، مدخل للفساد بين الناس . وقال الإمام النووي : هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها ، فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها ، وصنيعه نفاق ومحض كذب وخداع وتحيل على الاطلاع على أسرار الطائفتين ، وهي مداهنة محرمة "

 

فيا الله! كم من معقل للإسلام هدموه! وكم مِن حصن قد قلعوا أساسه وخربوه! وكم من علم قد طمسوه! وكم من لواء مرفوعٍ قد وَضَعُوه! وكم ضربوا بمعاول الشبه في أُصُول غراسهِ ليقلعوها! فلا يزال الإسلام وأهله منهم في مِحْنة وبليَّة، ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية، ويزعمون أنهم مصلحون؛ بل هم مفسدون ولكن لا يشعرون .

 

لذلك أضاف الله الإفساد إلى المنافق فقال:{وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ} يقول ابن جرير الطّبريّ في تفسيره لهذه الآية:" اختلف أهل التّأويل في معنى الإفساد الّذي أضافه الله- عزّ وجلّ- إلي هذا المنافق: فقال: تأويله ما قلنا فيه من قطعه الطّريق، وإخافته السّبيل كما حدث من الأخنس بن شريق. وقال بعضهم: بل معنى ذلك قطع الرّحم وسفك دماء المسلمين ... وقد يدخل في الإفساد جميع المعاصي، وذلك أنّ العمل بالمعاصي إفساد في الأرض، فلم يخصّص الله وصفه ببعض معاني الإفساد دون بعض

 

ولقد ظهرتْ تلك الفئة في المدينة على عهْد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فتكاثر عددُها، وتناسل أبناؤُها، وامتدَّ نسْلهم - لا كَثَّرَهم الله - إلى زمننا هذا، فَرَأَيْنا أحفادهم في زماننا لا يختلفون في مظْهرهم عنَّا، وهذا مكْمن المصيبة؛ فهم - للأَسَف - مِن بني جِلْدتنا، ويتكلَّمون بحلاوة منطقهم بألسنتنا، وينتسبون لدِيننا، وينتمون لأَوْطاننا.

 

يعطيك من طرف اللسان حلاوة ………… ويروغ منك كما يروغ الثعلب

 

ولو طوفنا حول آيات الفتنة والفساد في القرآن الكريم لوجدنا أن معظمها نزلت في المنافقين؛ قال تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  .

 

فمن صفاتهم المداهنة للمسلين في الظاهر مع إضمار الخبث والمكر والنفاق؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ؛ خَرَجُوا ذَاتَ يَوْمٍ فَاسْتَقْبَلَهُمْ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: انْظُرُوا كَيْفَ أَرُدُّ هَؤُلَاءِ السُّفَهَاءَ عَنْكُمْ؟! فَذَهَبَ فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالصِّدِّيقِ سَيِّدِ بَنِي تَيْمٍ، وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ وَثَانِي رَسُولِ اللَّهِ فِي الْغَارِ الْبَاذِلِ نَفْسَهُ وَمَالَهُ؛ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عُمَرَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِسَيِّدِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، الْفَارُوقِ الْقَوِيِّ فِي دِينِ اللَّهِ، الْبَاذِلِ نَفْسَهُ وَمَالَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ؛ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ وَخَتَنِهِ، سَيِّدِ بَنِي هَاشِمٍ مَا خَلَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ افْتَرَقُوا؛ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ: كَيْفَ رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ؟! فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَافْعَلُوا كَمَا فَعَلْتُ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا، فَرَجَعَ المسلمون إلى رسول الله- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.!{ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}.

 

وقال تعالى فيهم أيضًا :{ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}..

 

وقد فضح الله المنافقين في عدة سور منها: سورة التوبة التي تسمى بالفاضحة ؛ وسورة المنافقون ؛ وهناك آيات كثيرة في شأن المنافقين ودورهم البارز في الفساد والإفساد في الأرض لا يتسع المقام لذكرها ؛ ولا تسعفها هذه الوريقات في هذه الدقائق المعدودات؛ ونحن نعلم أنهم أطلقوا الشائعات والأراجيف في المدينة لتعطيل مسيرة الدعوة الإسلامية ؛ وسورة الأحزاب سطَّرت ذلك في آيات تتلى إلى يوم القيامة .


تعليقات


اقرأ لـ

     
© حقوق النشر محفوظة لـ بوابة الغد